محمد متولي الشعراوي
3046
تفسير الشعراوى
وقد رأينا هذه الحضارة التي كان الناس أثناءها ينحتون البيوت في الصخر ، كما رأينا حضارة مصر . وحضارة عاد هي التي لم نرها حتى الآن ؛ ولا بد أن تكون مطمورة تحت الأرض . ونعرف أن الهبة الرملية الواحدة عندما تهب في تلك المناطق تطمر القافلة كلها ، فما بالنا بالقرون الطويلة التي مرت وهبت فيها آلاف العواصف الرملية ، إذن لا بد أن ننقب كثيرا لنكتشف حضارة عاد . والحق تكلم عن حضارة مصر القديمة فقال : ( وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ) ، وعندما تكلم عن موسى عليه السّلام ، تكلم - أيضا - عن المعاصرين له وكان أحد هؤلاء الفراعنة ، فقال سبحانه لموسى ولأخيه هارون عليهما السّلام : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 43 ) ( سورة طه ) ويذهب موسى إلى فرعون حتى يخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون . ولماذا ظلمهم فرعون ؟ نحن نعرف أن كل سياسة تعقب سياسة سابقة عليها تحاول أن تطمس السياسة الأولى ، وتعذب من نصروا السياسة الأولى ، وتلك قضية واضحة في الكون . وهذا ما يتضح لنا من سيرة سيدنا يوسف الذي صار وزيرا للعزيز ودعا أباه وأمه وشيعته إلى مصر ، ولم تأت سيرة فرعون في سورة يوسف . وعندما تكلم القرآن على رأس الدولة في أيام يوسف قال : وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ( من الآية 54 سورة يوسف ) لم يقل الحق : « فرعون » على الرغم من أنه قال قبل ذلك عنه إنه : « فرعون » وأيام موسى ذكر فرعون ، لكن في أيام يوسف لم يأت بسيرة فرعون إنما جاء بسيرة ملك . وعندما جاء اكتشاف حجر رشيد ، ظهر لنا أن فترة وجود يوسف عليه السّلام في مصر هي فترة ملوك الرعاة أي الهكسوس الذين غزوا مصر وأخذوا الملك من المصريين وحكموهم وصاروا ملوكا ، وسمى عصرهم بعصر الملوك . وقال القرآن : ( وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ) . ولم يأت بذكر لفرعون . وعندما استرد الفراعنة ملكهم وطردوا ملوك الرعاة ، استبد الفراعنة بمن كانوا يخدمون الملوك وهم بنو إسرائيل . هكذا تتأكد دقة القرآن عندما ذكر فرعون لأنه كان الحاكم أيام موسى ، لكن في زمن يوسف سمى حاكم مصر باسم الملك . وتلك أمور لم نعرفها